الشيخ محمد رشيد رضا

57

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بحسب المعنى . ومما يقوى هذا انه تعالى ذكر ان أهل الرحمة خالدون فيها ولم يذكر ان أهل العذاب خالدون فيه . نبه على هذا المعنى الرازي وبين انه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه دون العذاب . وذكر علة العذاب وسببه وهو « بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ » ثم ذكر انه لا يريد ظلما للعالمين قال « وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب وكل ذلك مما يشعر بان جانب الرحمة مغلب » فياويل المتفرقين المختلفين المتعادين في دين الرحمة الذي يأخذ بحجزهم أن يتقحموا في العذاب وهم يتهافتون عليه بجهلهم وسوء اختيارهم ( 110 : 106 ) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ؛ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ، مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ 111 : 107 ) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ 112 : 108 ) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ، وَباؤُ « 1 » بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ بعد ما أمر اللّه تعالى بالاعتصام بحبله وذكر بنعمته على المؤمنين بتأليف القلوب وأخوة الاسلام - وبعد ما نهى عن التفرق في الأهواء والاختلاف في الدين وتوعد على ذلك بالعذاب العظيم - بين فضل المعتصمين بحبله ، المتآخين في دينه ، المتحابين فيه ، ووصفهم بهذا الوصف الشريف ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) فعلم منه ان خيرية الأمة وفضلها على غيرها تكون بهذه الأمور : الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والايمان باللّه تعالى . في قوله تعالى « كنتم » ثلاثة أوجه‌أحدها ) أنها تامة فالمعنى وجدتم خير أمة كأنه قال أنتم خير أمة في الوجود الآن لأن جميع الأمم غلب عليها الفساد فلا يعرف فيها المعروف ولا ينكر فيها المنكر وليست على الايمان الصحيح الذي يزع أهله عن الشر ويصرفهم

--> ( 1 ) هكذا رسمت « وباؤ » في المصحف الامام بدون ألف بعد الواو